محمد بن جرير الطبري
71
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خيانة خاناها مما ائتمنا عليه ، فإن الحكم فيهما حينئذ أن تحبسوهما ، يقول : تستوقفونهما بعد الصلاة . وفي الكلام محذوف اجتزئ بدلالة ما ظهر منه على ما حذف ، وهو : فأصابتكم مصيبة الموت وقد أسندتم وصيتكم إليهما ودفعتم إليهما ما كان معكم من مال ، فإنكم تحبسونهما من بعد الصلاة . فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ يقول : يحلفان بالله إن اتهمتموهما بخيانة فيما ائتمنا عليه من تغيير وصية أوصى إليهما بها ، أو تبديلها . والارتياب : هو الاتهام . لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً يقول : يحلفان بالله لا نشتري بأيماننا بالله ثمنا ، يقول : لا نحلف كاذبين على عوض نأخذه عليه وعلى مال نذهب به أو لحق نجحده لهؤلاء القوم الذين أوصى إلينا وإليهم وصيتهم . والهاء في قوله " به " من ذكر الله ، والمعني به الحلف والقسم ؛ ولكنه لما كان قد جرى قبل ذلك ذكر القسم به ، فيعرف من معنى الكلام ، واكتفي به من إعادة ذكر القسم والحلف . وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى يقول : يقسمان بالله لا نطلب بإقسامنا بالله عوضا فنكذب فيها لأحد ، ولو كان الذي نقسم به له ذا قرابة منا . وبنحو الذي قلنا في ذلك روي الخبر عن ابن عباس ذكر من قال ذلك : حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ الشهادة على الوصية فهذا لمن مات وليس عنده أحد من المسلمين ، فأمره الله بشهادة رجلين من غير المسلمين ، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله : لم نشتر بشهادتنا ثمنا قليلا . وقوله : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ من صلاة الآخرين . الشهادة على الوصية ومعنى الكلام : أو آخران من غيركم تحبسونهما من بعد الصلاة إن ارتبتم بهما ، فيقسمان بالله لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى . واختلفوا في الصلاة التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية فقال : تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فقال بعضهم : هي صلاة العصر ذكر من قال ذلك : حدثني يعقوب ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا زكريا ، عن الشعبي : أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ، فلم يجد أحدا من المسلمين يشهده على وصيته الشهادة على الوصية ، فأشهد رجلين من أهل الكتاب . قال : فقدما الكوفة ، فأتيا الأشعري فأخبراه ، وقدما بتركته ووصيته ، فقال الأشعري : هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فأحلفهما بعد العصر بالله : ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا ، وإنها لوصية الرجل وتركته . قال : فأمضى شهادتهما . حدثنا ابن بشار وعمرو بن علي ، قالا : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير : أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ قال : إذا كان الرجل بأرض الشرك فأوصى إلى رجلين من أهل الكتاب ، فإنهما يحلفان بعد العصر الشهادة على الوصية . حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، عن مغيرة ، عن إبراهيم ، بمثله . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إلى : فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ الشهادة على الوصية فهذا رجل مات بغربة من الأرض وترك تركته وأوصى بوصيته وشهد على وصيته رجلان ، فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد العصر . وكان يقال عندها تصير الأيمان . حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني هشيم ، قال : أخبرنا مغيرة ، عن إبراهيم وسعيد بن جبير ، أنهما قالا في هذه الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ قالا : إذا حضر الرجل الوفاة في سفر ، فليشهد رجلين من المسلمين الشهادة على الوصية ، فإن لم يجد فرجلين من أهل الكتاب ، فإذا قدما بتركته ، فإن صدقهما الورثة قبل قولهما ، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر : بالله ما كذبنا ، ولا كتمنا ، ولا خنا ، ولا غيرنا . حدثنا عمرو بن علي ، قال : ثنا يحيى بن القطان ، قال : ثنا زكريا ، قال : ثنا عامر : أن رجلا توفي بدقوقا ، فلم يجد من يشهده على وصيته إلا رجلين نصرانيين من أهلها ، فأحلفهما أبو موسى دبر صلاة العصر في مسجد الكوفة بالله : ما كتما ولا غيرا ، وإن هذه الوصية . فأجازها . وقال آخرون : بل يستحلفان بعد صلاة أهل دينهما وملتهما ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ،